صديق الحسيني القنوجي البخاري

136

فتح البيان في مقاصد القرآن

لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا استثناء من الضمير في مأواهم ، وقيل هو استثناء منقطع لعدم دخول المستضعفين في الموصول وضميره ، والمراد بهم من الرجال الزمناء ونحوهم ، والولدان كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام . وإنما ذكر الولدان مع عدم التكليف لهم لقصد المبالغة في أمر الهجرة ، وإبهام أنها تجب لو استطاعتها غير المكلف فكيف من كان مكلفا ، وقيل أراد بالولدان المراهقين والمماليك . والحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص ، أي لا يجدون حيلة في الخروج منها لفقرهم وعجزهم ، ولا طريقا إلى ذلك ، وقيل السبيل سبيل المدينة ، عن ابن جريج في قوله : حِيلَةً قال قوة ، وعن عكرمة قال نهوضا إلى المدينة وسبيلا أي طريقا إليها . فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ إشارة إلى المستضعفين الموصوفين بما ذكر ، وجئ بكلمة الإطماع لتأكيد أمر الهجرة حتى يظن أن تركها ممن لا تجب عليه يكون ذنبا يجب طلب العفو عنه ، وقال الكرخي : يعفو عن خطر الهجرة بحيث يحتاج المعذور إلى العفو ، قال ابن عباس كنت أنا وأمي من المستضعفين أنا من الولدان وأمي من النساء . وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً مبالغا في المغفرة لهم ما فرط منهم من الذنوب التي من جملتها القعود عن الهجرة إلى وقت الخروج . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 100 ] وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 100 ) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً هذه الجملة متضمّنة للترغيب في الهجرة والتنشيط إليها ، وفيه دليل على أنّ الهجرة لا بد أن تكون بقصد صحيح ، ونية خالصة غير مشوبة بشيء من أمور الدنيا ، ومنه الحديث الصحيح « فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله ، فهجرته إلى اللّه ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه » « 1 » . وقد اختلف في معنى الآية فقال ابن عباس وجماعة من التابعين ومن بعدهم

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الوحي باب 1 ، والإيمان باب 41 ، والعتق باب 6 ، ومناقب الأنصار باب 45 ، والنكاح باب 5 ، والأيمان باب 23 ، والحيل باب 1 ، ومسلم في الإمارة حديث 155 ، وأبو داود في الطلاق باب 11 ، والترمذي في فضائل الجهاد باب 16 ، والنسائي في الطهارة باب 59 ، والطلاق باب 24 ، والأيمان باب 19 ، وابن ماجة في الزهد باب 26 ، وأحمد في المسند 1 / 25 ، 43 .